مدونة أيوب مليجي
تأملات في فلك الكلمات

كْلوزير!

 
 
كْلوزير!
  نص لفاطمة لحسيني   

اليوم أبكرت على غير عادتها وانتظرت دونما تريث وصوله. اليوم عيد ميلاده، لربما يوم ميلادها. التهما بسرعة وجبة الغذاء مخافة أن يفوتهما العرض. وعدها أنه سيصطحبها إلى السينما.لطالما سمعت صويحباتها يصفن بإسهاب دفئ و غموض القاعة و يجمعن على أن شاشتها البيضاء شرفة متلألئة تطل على عالم آخر.لم يحن وقت العرض بعد. جلسا يحتسيان كأس شاي صحراوي كما كان يحبه هو. وهي كانت تحبه هو. انتظرا طويلا أو هكذا خيل إليهما...

دلفا إلى السينما. مازحها : " دُخلي برجلك ليمنى". اقتنيا التذاكر في تناغم تام. صعدا بتؤدة والسعادة تلوح على محييهما. تذكرت الماء فأرادت الرجوع للبحث عنه. لكنه أبى إلا أن يذهب هو. نزل أدراجه ثم عاد ملوحا بقنينة في يده. هي جد متوترة، جد سعيدة، جد ...

ـ عله فطن لذلك. فهاهو يربت على كتفيها ويهمس لها بالسير قدما نحو قاعة العرض

ـ لا .إني أحسن إخفاء مشاعري عندما أريد.

القاعة تغوص في ظلام دامس. من الشرفة تطلع إليهما البطلان بفضول وراقباهما باهتمام وهما يستدلان على مقعديهما وسط الظلام السائد. جلسا جنبا إلى جنب يرمقان عن قرب البطلين: شاب وسيم وشقراء حسناء. وجلس البطلان بدورهما جنبا إلى جنب يحملقان  في هذا الثنائي الذي يجلس قبالتهما. لكن سرعان ما انشغلا عنه بانتشاء قبلة أبدية. هو أعجبه البطل. هي أعجبتها البطلة. ود لو تكون هي البطلة وودت لو يكون هو البطل. أحاط كتفيها بذراعه فأسندت رأسها على كتفه اليسرى، في دلال. أطلت عليهما بطلة جديدة : حسناء أخرى. مثلث من الحب والكره والخيانة. ظهر بطل آخر واكتمل المربع.

 

 

بدأت خيوط القصة بالتشابك: مربع من الحب والكره والخيانة.

ـ دموع وضحك، حزن وسعادة.

ـ بل حب وكره وخيانة.

شارفت القصة على نهايتها أو ذلك ما تمنته هي. مل البطلان الأولان المربع. أرادا التوحد... أوشكا على التوحد...

 كانت تتبع بصمت أحداث الفيلم الدرامية. كان يردد عبارة " أولالا" كلما التقى الحابل بالنابل، هناك في عالم الشاشة. كانا يتبادلان بين الفينة والأخرى تعاليق مقتضبة ثم ما يلبثان أن يعودا إلى سيرتهما الأولى ليشكلوا جميعهم مسدس الحب والكره والخيانة.

خلص يديها من قنينة الماء شبه الفارغة ثم عوضها براحتيه الدافئتين. بدأ المربع بالتفكك. نجح البطل الثاني في استرجاع شقرائه وولت الأخرى هاربة لترتمي في أحضان وطنها. هي، أشفقت على البطل الأول، رأت فيه نفسها. هو، أعجب بالبطل الثاني، أحب فيه عبثه الشهرياري . إنه الظلام الدامس مرة أخرى. لقد انتهى الفيلم، وهاهو يسرق في خفة ساحرة قبلة من حبيبته. لاح البياض من جديد وبدأ يغزو الشاشة تصاعديا:

 Closer : entre adultes consentants 

أسماء الممثلين

 والممثلات

والإضاءة

 والماكياج

 و...

و...

لم يعيرا الشاشة أدنى اهتمام. كانا منتشيين بقبلتهما الأولى. هي، احمرت واخضرت واصفرت ثم تنفست الصعداء: كانت قبلتها الأولى. هو، كان يتوجس خفية ردة فعلها. ود لو يستطيع تقبيلها بشراهة. كانت أول مرة يلمس فمه فاها.

غمر الضوء القاعة فاعتدلا في جلستيهما. وبأسى كبير، أزاح عنها ذراعه ورفعت رأسها عن كتفه.

التفتا يمنة و يسرة. كانا الوحيدين اللذين يحضران العرض. التقط بخفة قنينة الماء الملقاة على الأرض وناولها إياها. "شربي، لا تنشفي". أخدتها بسرعة وازدردت جرعات الماء الباقية. قاما من مقعديهما ،عدلا من هنداميهما واستعدا لمغادرة القاعة. تقدما نحو الباب متشابكي الأذرع.أحسا بقلبيهما يخفقان بسرعة جنونية. راقبا بانزعاج كيوبيدا يرفرف بجناحيه، حاجبا عنهما الباب. لربما تقزم أمام ضخامة حبهما...استحال عليهما مغادرة القاعة!. عادا أدراجهما و...قفزا إلى عالم الشاشة! أطفئت الأنوار و بدأ العرض  من جديد.  

                                                                                                                                                                                                                                  

فاطمة لحسيني

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


أهلا بك أيها الزائر الكريم..مرحبا بتعاليقك و اقتراحاتك ..حتى نبني معا عالما افتراضيا مشتركا بيننا..حتى نسافر إلى مدار الصمت و الكلمات...مع تحياتي أيوب مليجي